العالم المسلم “المقريزي” مؤسس علم النقود ؟؟

حياته ومولده:
هو أحمد بن عبد القادر بن محمد بن إبراهيم المقريزي ويُكْنَى بتقي الدين المقريزي. ولد عام 769 هـ وهو يُنسَب إلى مقريز، وهي محَلَّة من بعلبك؛ لذلك يقال عنه البعلي ثم المصري. اشتُهر كمؤرخ وفقيه في أكثر من فرع من فروع المعرفة، وله مصنفات كثيرة في الفقه والاقتصاد والتاريخ. وتوفي – رحمه الله – عام 845 هـ.

أهم الآراء الاقتصادية للمقريزي في كتابه تاريخ المجاعات:


1-عرض المقريزي لواقع الأزمة الاقتصادية التي ألـمَّت بمصر عام 808 هـ، والتي تمثلت في غلاء واضح للأسعار أدى إلى وجود مجاعات بالقطر المصري، وقد عرض المقريزي لهذا الواقع مع تحديد أسبابه وذكر النتائج والآثار الاقتصادية لارتفاع الأسعار والاحتكار وزيادة الإصدار النقدي.

2- ميَّز المقريزي في كتابه عن المجاعات بين نوعين من الأسباب:
النوع الأول: أسماه الآفات مثل: قصور النيل، والآفات التي تصيب الزراعة.
النوع الثاني: تمثل في مجموعة من الأسباب، أهمها: الرشوة وغلاء الأطيان مع زيادة واضحة في الإصدار النقدي الذي تمثل في زيادة إصدار الذهب والفضة دون إنتاج حقيقي مقابل.

3- وضَّح المقريزي أثر الغلاء على فئات المجتمع المختلفة، ومن ذلك وجود الفئات التي تخسر بسبب الغلاء، والفئات التي تكسب بسببه أيضاً:
القسم الأول: تمثل في أهل الغنى واليسار من أولي النعمة، من ذوي الرفاهية والتجار.
والقسم الثاني: تمثل في أصحاب الزراعات والأطيان ومن يعملون بها؛ حيث قد حلَّت الآفات بالزراعة ومن ثم يرتفع سعر السلع الزراعية فتكسب هذه الفئة.
القسم الثالث: وفيه أهل الطبقة الوسطى، والتي عليها عبء التنمية للمجتمع، والمتمثلة في الفقهاء وطلاب العلم وذوي الأجور الثابتة.
وهي متضرّرة أشد الضرر من ارتفاع الأسعار.
القسم الرابع: وهم الأُجراء والحمَّالون والخدم أو الطبقة الفقيرة التي تُضَار أيضاً؛ بسبب ارتفاع الأسعار.
وفي تحليله هذا حدد المقريزي أثر ارتفاع الأسعار على فئات المجتمع وذلك حسب طبيعة الدخل والثروة؛ فإذا كان هذا الدخل ثابتاً أو يزيد، ولكن بنسبة أقل من نسبة زيادة الأسعار؛ فإن أصحاب هذا الدخل يسوء حالهم كلما ارتفعت الأسعار، أما إذا كان الدخل يزيد بنسبة أكبر من نسبة زيادة الأسعار؛ فإن أصحاب هذا الدخل يكتسبون من ارتفاع الأسعار.

4-تعرَّض المقريزي لعلاقة ارتفاع الأسعار بالثروة المتمثلة في النقود؛ فارتفاع الأسعار يجعل هذه الثروة تتناقص قيمتها الحقيقية كما يتناقص مقدارها، بسبب الإنفاق منها على تكلِفَة المعيشة وهو إنفاق يتزايد بسبب زيادة الأسعار، وفئة السكان التي تحوز ثروة من هذا النوع يسوء وضعها مع ارتفاع الأسعار.

5-يُعتَبَر أهم ما تعرَّض له المقريزي في كتابه (تاريخ المجاعات بمصر) هو العلاقة بين العرض النقدي والأسعار؛ فقد تعرض لهذه العلاقة في فصل كامل حوى ثلاثة موضوعات؛ هي وصف حالة النقود، وهي: (الدينار الذهبي والدرهم الفضي والفلوس).
وموضوع آخر هو وصف حالة الأسعار للسلع الضرورية التي يحتاجها جميع أفراد المجتمع موضحاً عرضاً تحليلياً لمجموعة من السلع الضرورية التي تحتاجها الأسرة، ومقارنتها بدخل الأسرة.

6-أما الموضوع الثالث: فقد تعرض فيه لأثر زيادة العرض النقدي على الأسعار؛ فبعد أن ذكر المقريزي أسعار السلع وأوضح الغلاء الفاحش الذي انتشر، أرجع السبب إلى كثرة العرض النقدي المتمثِّل في الفلوس؛ حيث يقول: «ما دها الناس من كثرة الفلوس؛ فالأمر لا أشنع منه ولا أفظع من هوله: فسدت به الأمور واختلت به الأحوال وآل أمر الناس بسببه إلى العدم والزوال، وأشرف من أجله الإقليم على الدمار والاضمحلال». والمعنى الذي يقصده المقريزي في النص السابق: أن الدنانير الذهبية، والدراهم الفضية ودراهم الفلوس، كانت مربوطة معاً بمعدل صرفٍ بينها: الدينار الذهبي = 24 درهماً من الفضة والدرهم الفضي = 140 درهماً من الفلوس، لكن التطورات النقدية أدت إلى اختفاء الدنانير الذهبية والدراهم الفضية، فحدثت زيادة كبيرة في دراهم الفلوس أدى هذا بدوره إلى زيادة الأسعار زيادة كبيرة، وهو ما يطلق عليه في الاقتصاد الحديث (التضخم).

العلاج من وجهة نظر المقريزي:
لعلاج هذا الارتفاع في الأسعار اقترح المقريزي العودة إلى نظام فيه الدنانير الذهبية والدراهم الفضية هي أساس العرض النقدي، والدراهم والفلوس تكون محدودة في كميتها وتُستخدم في شراء الأمور البسيطة.

ومن خلال هذه المعالجة يتضح وجهان هما:

الوجـه الأول: ضــرورة العــودة إلى النقــود الـذهبيــة أو الفضية؛ إذ العودة إلى ذلك تؤدي إلى التحكم في عرض النقود؛ بحيث لا يمكن التوسع في إصدارها دون ضابط؛ فإصدار نقود ذهبية أو فضية يُحكَم بتوفُّر هذين المعدنين، وهما لا يتوفَّران بسهولة.

الوجه الثاني: ذكر المقريزي أن النقود الذهبية أو الفضية تُدفع مقابل عمل يترتب عليه إنتاج سلعة أو خدمة؛ أي أن النقود تدفع مقابل إنتاج حقيقي؛ ومن ثَمَّ؛ فإن الأسعار في هذه الحالة تكون في مستواها العادي. وفي هذا يربط المقريزي بين إصدار النقود والناتج القومي؛ وهو بذلك يسبق الدراسات الاقتصادية الحديثة؛ فعندما كانت تصدر ذهبيةً أو مربوطاً إصدارها برصيد من الذهب؛ فإن الإصدار كان يُضبَط بكمية الذهب، وعندما تم الخروج على قاعدة الذهب؛ فإن إصدار النقود تم ربطه بحجم الناتج القومي.

مساهمة المقريزي ريادة تاريخية في الفكر الإقتصادي:
«بودان» الاقتصادي الفرنسي الشهير الذي عاش في القرن السادس عشر الميلادي يُنصِّبه الفكر الغربي عميد المدرسة التجارية؛ لأنه بدأ الربط الاقتصادي التحليلي بين الثمن وكمية النقود. والمقريزي سابقٌ تاريخياً على بودان، وآراؤه عن العلاقة بين الثمن وكمية النقود قدَّمت كل العناصر الداخلة في نظرية (كمية النقود).

أيضاً تسبق مساهمة المقريزي مساهمة «هيوم» و «لوك» في القرن الثامن عشر في نظرية كمية النقود وعلاقتها بالأسعار نفسها وبناءً على ما سبق نستطيع أن نقول: إن المقريزي سبق تاريخياً مساهمات الأوربيين في الفكر الاقتصادي بأكثر من قرنين من الزمان.

ولكن التساؤل هنا: لماذا حين يلجأ الباحث الاقتصادي العربي لتأريخ نظرية (كمية النقود) يلجأ للغرب على الرغم من أن أول من بسطها هم مفكرو العرب أمثال المقريزي الذي له السبق بعدة قرون؟

الرسالة التي يقدمها لنا المقريزي:
من خلال مساهمة المقريزي في وضع كتاب مهم يُعنى بالأزمة الاقتصادية التي حدثت بمصر في زمنه يقول لنا: «إن زيادة الإصدار النقدي دون أن يقابل ذلك زيادة في السلع أو الإنتاج؛ فإن هذه الزيادة في الإصدار سوف تؤدي إلى انخفاض القوة الشرائية وارتفاع الأسعار» أوارتفاع معدلات التضخم بالمفهوم الحديث، وهي مشكلة تعاني منها الدول النامية لذلك؛ فإن ضبط الإصدار النقدي وسيلة مهمة لإعادة التوازنات السعرية في المجتمع من خلال ربطها بالناتج القومي.

بعضٌ من أقوال المقريزى في كتابه: تاريخ المجاعات:
1. ظن كثير من الناس أن هذه المحن لم يكن فيما مضى مثلها ولا مر في زمن شبهها، فعرضتُ في هذا الكتاب للأسباب التي نشأ منها هذا الأمر الفظيع، وكيف تمادى بالبلاد والعباد، وإيراد نُبَذ مِنْ خبر الغلاء والمحن.
2.ذكرعــن الغلاء في الماضي ما يتضح به أنه كان أشد وأصعب من هذه المحن التى نزلت بالناس في هذا الزمان بأضعاف مضاعفة وإن كانت هذه المحنة مشاهَدة وتلك خبر.
3. ما دها الناس من كثرة الفلوس؛ فالأمر لا أشنع ولا أفظع من هوله، فسدت به الأمور واختلت به الأحوال وآل أمر الناس به إلى العدم والزوال وأشرف من أجله على الدمار والاضمحلال.
4. إن النقود الأكثر تشتري سلعاً أقل مما كانت تشتريه النقود الأقل.
5.العلاج من وجهة نظره: «لو وفَّق الله – تعالى – من أُسنِد إليه صك النقود إلى رد النقود على ما كانت عليه من ذهب وفضة، وأن هذين النقدين يتدفعان مقابل خراج أرض (إنتاج سلعة) أو قيمة عمل، أو أجرة عقار (إنتاج خدمة) لكان صاحب العشرة دراهم إذا قبضها فضة رآها على حكم أسعار وقتنا هذا تكفيه وتفضل عنه.

وفي الختام نود الاشارة ان العالم الغربي وبعد مايزيد عن 500 عام قام بإعتماد الذهب في ربطة للاصدارت النقدية هو السعر الحقيقي المحرك للاقتصاد ،وكانت بريطانيا العظمى هي اول من طبق ذلك الامر، ويرجع الفضل للاقتصادي الفذ المقريزي .

About these ads

أضف تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. تسجيل الخروج / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. تسجيل الخروج / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. تسجيل الخروج / تغيير )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. تسجيل الخروج / تغيير )

Connecting to %s


Follow

Get every new post delivered to your Inbox.

%d bloggers like this: