ماهي المصرفية الاسلامية

ما هي المصرفية الإسلامية؟

في هذه العجالة سنلقي نظرة موجزة عن المصرفية الإسلامية وكيف برزت المصارف الإسلامية إلى الواجهة منذ ثلاثة عقود كمفهوم مصرفي/تمويلي لا غنى عنه في الصناعة المصرفية، وكيف تقبل العالم المبادئ التي تركز عليها المصرفية الإسلامية المستمدة من الشريعة الإسلامية التي تحرم الربا أو الفائدة في كافة المعاملات المالية.

بيت القصيد في المصرفية الإسلامية هو تحريم الربا – ومصطلح الربا يشمل أيضاً الفائدة التي تُفرض على المحتاج عبر الغُبن – والغبن في البيع والشراء حرام والسبب أن الطرف القوي “المقرض” هو في موقع يمكنه من فرض شروط جائرة على الطرف الضعيف “المقترض” الذي يضطر إلى قبول أي شروط بغية الإيفاء ببعض أو كافة التزاماته المالية المترتبة و/أو المستوجبة. لكن منذ بزوغ الثورة الصناعية في العالم الغربي وانبلاج مفهوم تمويل المشروعات المستجدة و/أو توسيع القائمة منها، أضمحل مفهوم “الطرف القوي” و “الطرف الضعيف” بسبب تبني تلك المجتمعات مفهوم تجميع و/أو توسيع الثروة عبر أي طريقة كانت وبالتالي اضمحلت القيّم الأخلاقية وتبنت المصرفية والصناعة الغربية مفهوم “الغاية تبرر الوسيلة” وهكذا انقلب الحال وأصبح بإمكان “طرف قوي”، شركة كبرى أو رجال أعمال ثري على سبيل المثال، يطرق باب “طرف قوي” آخر، بنك أو مؤسسة مالية، بغية إتمام عمليات قرض واقتراض مبنية على قناعة الطرفين بشرط الفائدة للغرض ذاته – تجميع و/أو توسيع الثروة – ومن هنا زال عامل الغُبن بين المقرض والمقترض وولج العالم الغربي يلهث في بناء إمبراطوريته الرأسمالية ضارباً عرض الحائط بما أنزل الله في التوراة والإنجيل، ونهج العالم الإسلامي تبعاً لذلك المنهج المصرفي ذاته حيث والبنوك هي منتجات غربية المنشأ .. غربية الفكرة.. غربية السياسة.. سوّقت إلينا و/أو فُرضت علينا بسبب أن معظم أصقاع العالم الإسلامي كان مستعمرات أو كيانات مفتتة تابعة و/أو خانعة بطريقة أو أخرى لسادة الغرب – الذين أصبحوا بعد الحرب العالمية الثانية سادة الغرب والشرق معاً.

ولكي تكتمل الصورة، سنعود أدرجنا قليلاً إلى الربع الأول للقرن التاسع عشر الميلادي وبزوغ الثورة البلشفية في روسيا وانبثاق الاتحاد السوفيتي – الاتحاد الذي قضم أوروبا الشرقية بما في ذلك قوميات مسلمة مثل كازاخستان وغيرها– وعكف على فرض الشيوعية/الاشتراكية التي ترتكز على نظرية المفكر الألماني “هيغل” الذي حرض في كتابه “رأس المال” على اجتثاث الرأسمالية واستبدالها بجنته الموعودة “الشيوعية”، ومع ذلك لم يمر وقت طويل (خمسة عقود من الزمن( حتى سقطت تلك النظرية واهية الأسس التي ارتكزت على تقييد حرية رأس المال ومصادرة ممتلكات الناس وحرّمت تبادل المنافع الاقتصادية والمعاملات المالية بين بنو البشر، وبحلول بداية التسعينات من القرن المنصرم تهاوى الصنم الشيوعي وتبخرت الجنة الموعودة – الشيوعية – وعادت روسيا القيصرية أدراجها إلى أحضان الرأسمالية من جديد ضاربة عرض الحائط في كلا الحالتين بتعاليم التوراة والإنجيل فيما يتصل بالمعاملات المالية.

وحيث أن التاريخ هو الشاهد الحي لمختلف الأباطيل،فقد شهد العالم في أواخر سنة 2008 انهيار صنم آخر – الرأسمالية – وفي عقر دارها – أمريكا – بانهيار أكبر المصارف وقد أجمع كبار المصرفيين والممولين والعقلاء في العالم أن ما حدث يعود فعلاً إلى الطمع وتبني سياسات ومفاهيم مصرفية/مالية/تمويلية/استثمارية خاطئة تهدف لابتزاز صغار المستثمرين ولا تراعي التعاليم الإلهية والمبادئ الإنسانية، وتبعاً لذلك فأن النظام المصرفي الغربي يسعى الآن إلى غربلة تلك السياسات بغية الخروج من هذا المستنقع الذي وضع الاقتصاد الغربي برمته في زاوية حرجة وكساد وبطالة وخوف من المجهول.

ومع أن الغُبن موقف لا يستسيغه البشر بمختلف مشاربهم وعقائدهم وأديانهم، فمبدأ تجميع/توسيع الثروة يرتكز على مفهوم شيطاني وهو الطمع في الحصول و/أو الاستيلاء على أكبر قدر من حصة/حصص حاضرة أو آنية – حلال/حرام سيان الأمر – فقد أدرك في منتصف القرن التاسع عشر مغبة الطمع ونتائجه السلبية الكثير من المفكرين الغربيين الذي شاهدو اكتوى الكثير من بنو جلدتهم بنار الطمع وهاجموا بشراسة النُظم المالية والمصرفية القائمة في الغرب وطالبوا بالتوزيع العادل للثروة بناءً على التعاليم الإلهية والمفاهيم الإنسانية العادلة.

ومن الثابت أن التمويل الإسلامي كان موجوداً لأغراض التجارة والمتاجرة في العالم الإسلامي – حوض البلطيق حتى اسبانيا – منذ القرون الوسطى، ومن ثم تبنت أوروبا في تاريخ لاحق الكثير من مفاهيم وآليات وأدوات التمويل الإسلامي. وفي مطلع القرن الخامس عشر الهجري، وتحديداً في عام 1976 من التقويم الميلادي وبسبب تدفق عائدات الموارد النفطية الهائلة في الدول العربية المنتجة للنفط جنباً إلى جنب مع الصعود غير المسبوق لأسعار النفط – النفط الذي استخرجته وتحكمت بتكريره وشحنه وبيعه واستخدامه شركات غربية، كان على المسلمين التفكير بجديه لأن يديروا ثرواتهم وينهجوا حياتهم بطريقة تتماشى مع متطلبات دينهم الحنيف – الإسلام.

والتجارة والمتاجرة في الإسلام ليست أبواب مشرعة للخبيث بل للطيب فقط، لذلك فالتجارة والمتاجرة على سبيل المثال في الخمور ولحم الخنزير والدعارة المرئية أو الفعلية وصالات القمار والأعمال الشيطانية الأخرى هي أبواب موصدة في منظومة الاقتصاد الإسلامي – هذه المنظومة التي تبيح لكل فرد أن يجمع و/أو ينمي ثروته بطرق مشروعة وأساليب نظيفة بموجب الشريعة الإسلامية – الشريعة التي تحفظ المال والدم والعرض جنباً إلى جنب مع استخدام وإنفاق تلك الثروة في مرضات الله.

إضافة إلى هذا، فالشريعة الإسلامية تسعى إلى الحد من تجميع الثروة لدى فرد أو ثلة من البشر، بل تشجّع التكافل الاجتماعي، إعانة الفقراء والمعوزين والمحتاجين عبر إعطاء الزكاة المفروضة – ومن أراد أن يكثر من الخير فليتصدق في أي وقت يشاء وعلى من يشاء وفي أي مكان يشأ.

كما أن الهدف الأسمى في منظومة الاقتصاد الإسلامية يتمثل بتحقيق العدالة الاجتماعية من منطلق لا ظالم ولا مظلوم.. لا غنى مطلق ولا فقر مدقع، فقد ارتكزت المصرفية الإسلامية على توظيف مبدأ المشاركة واقتسام الأرباح/الخسائر عبر وضع السياسات والضوابط الملائمة للحد من المخاطر وانتفاء الغُبن، كما أن هذا المبدأ يظهر بوضوح قوة أو ضعف الأداء المالي/المصرفي/التمويلي/الاستثماري وبالتالي تتمكن الإدارة من الإفادة من النتائج وتوظيف الصالح واستبعاد الطالح منها، كما أن المصرفية الإسلامية تفرّق بين رأسمال المساهمين وودائع العملاء – أي لا تخلط الحابل بالنابل – بغية التحقق من توزيع الأرباح وتقاسم المخاطر وفقاً للشريعة الإسلامية.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: