الاستهلاك كظاهرة معاصرة ؟؟؟

    قبل الحديث عن موضوع الاستهلاك والنهم الاستلاكي الذي اضحى أحد ظواهر عصرنا الحالي سنتطرق لعملية الاستهلاك من وجهة النظر الاقتصادية ، فالمعلوم ان الدخل الذي يتحصل علية الافراد ينقسم بين الاستهلاك والادخار (الدخل = الاستهلاك + الادخار) ، بينما ينقسم كل عنصر منها الى قسمين فالاستهلاك بطبيعة الحال يتحول الى استهلاك طبيعي واستهلاك راس مالي ، بينما يتحول الادخار الى استثمار قصير و طويل الاجل ،فكلما زاد الدخل زادت فيهما عمليتي الاستهلاك والادخار ومع مرور الوقت يصبح الاستهلاك اقل مقارنة بعملية الادخار ، بينما في حال انعدام الادخار فأن الاستثمار ينخفض حتى يصبح صفراً بينما الاستهلاك يستمر حتى في حال إنعدام الدخل ، وبصورة اخرى فأن التغير في الدخل يوثر في الادخار بصورة مباشرة بينما يقل تأثيرة  في عملية الاستهلاك ، فحتى في حال عدم الحصول على دخل للأفراد فأنهم لن ينقطعو عن تأمين احتياجاتهم من الغذاء ومتطلبات الحياة الرئيسية ، حتى في حال اللجوء  الى عملية الاقتراض .

 

وبالعودة لموضوع الاستهلاك الذي أوجدتها أوضاع وتطورات متتالية في مجالات الإنتاج والتوزيع والاحتكار والاتصال والإعلان. ” النزعة الاستهلاكية Consumerism ” مقصورة على العالم الصناعي المتقدِّم فقط، بل طالت أرجاء أخرى عديدة في العالم الفقير والنامي، وصار السلوك الاستهلاكي موضوعًا للبحث العِلْمي في نُظم معرفية مختلفة يجيء في مقدمتها علم الاقتصاد، وعلم النفس، وعلم الاجتماع، مع اختلاف في المرجعيات والتوجهات ومجالات التركيز.Consumer Culture”. 

وإن كان الباحثون في تلك العلوم يتفقون على أن هذا السلوك لم يعد سلوكًا فرديًّا بحتًا يخص شخصًا مستقلاًّ.

بل أصبحت تسهم في تشكيله قوى وعوامل متعددة تمارس تأثيرات متنوعة على الفرد المستهلك، إن هذه العوامل تتراوح من المستوى المحلي المحدود إلى المستوى العالمي الواسع.

لقد ظلت ظاهرة الاستهلاك، ولفترة طويلة من الزمن أسيرة للدرس الاقتصادي الأكاديمي من ناحية، وللاهتمام العملي من قبل أصحاب المشروعات التجارية من ناحية ثانية.

وكانت الفكرة السائدة لدى معظم المهتمين بهذه الظاهرة هي أن السلعة الجيدة سوف تبيع نفسها وهي فكرة كانت ملائمة في ظل أوضاع كان الطلب فيها أكثر من العرض بالنسبة للعديد من السلع، وكان المستهلكون يشترون كل ما ينتج تقريبًا، وبالتالي لم يكونوا يسألون عن بضائع بعينها يرغبون فيها أو يطمحون إلى اقتنائها.

لكن هذه الأوضاع تغيَّرت بعد الحرب العالمية الثانية؛ حيث اكتشف العديد من أصحاب المشروعات في دول الغرب الصناعية أنهم يملكون طاقات إنتاجية تفوق ما يمكن أن يستوعبه السوق.

عندئذ لم يعد اهتمام الباحثين مركزًا على عنصر الإنتاج فحسب، بل توزع على بقية العناصر الأخرى من العملية الاقتصادية، خاصة ما تعلَّق منها بالتسويق لكل من سعر السلعة، جودتها، توزيعها.

وصار التساؤل الذي يوجّه معظم الكتابات في هذا المجال هو: أي هذه العناصر له أيُّ تأثير على سلوك الشراء، ولدى أي نمط من المستهلكين.

وكان من الطبيعي أن يفضي هذا التساؤل إلى انعطافة واضحة نحو العلوم الإنسانية؛ أملاً في العثور على استبصارات جديدة تلقي مزيدًا من الضوء على سلوك المستهلك.

حيث اخذ الباحثون في مجال التسويق يستعيرون العديد مما توصَّلت إليه الدراسات السيكولوجية، ثم اتجهوا بعد ذلك للإفادة من دراسات علم الاجتماع، والإنثربولوجيا، وأخذت بحوث المستهلك تتسع وتقدم بيانات وفيرة حول السلوك الاستهلاكي.
وهذا بلا شك ساعد الباحثين في هذا المجال على صياغة مجموعة من المفاهيم والفرضيَّات والنماذج النظرية التي تتعلق بأنماط تفضيل السلع لدى المستهلكين.

ومنذ حوالي نصف قرن بدأ علماء النفس يرتادون مجال الاستهلاك، وركز الرواد منهم اهتماماتهم على دراسة اتجاهات المستهلكين نحو سلع معينة، ودوافع الشراء لديهم، وما يرتبط بذلك من متغيرات، مثل: النوع والسن.

وتركَّز اهتمام الباحثين النفسيين بصفة خاصة على دراسة العمليات السيكولوجية المصاحبة لتعرُّض المستهلك للإعلانات عن السلع، وما يلي ذلك من عمليات، مثل: التعلم، والتذكّر، وتكوين الدافعية، والاقتناع، ثم قرار الشراء، وقد وصلت دراساتهم في هذا المجال إلى درجة ملموسة من العُمق والحذق المنهجي.

إن معظم الدراسات الاقتصادية والنفسية في مجال الاستهلاك والسلوك الاستهلاكي كانت وما زالت موجّهة لخدمة عمليات تسويق السلع التي تهم الشركات المنتجة.

وقد شهد هذا المجال في السنوات الأخيرة مؤلفات عدة يقوم محتواها أساسًا على وصف مواقف تسويقية معينة تخصُّ شركات لإنتاج سلع معينة؛ كالسيارات، والأغذية، والإلكترونيات، ولعب الأطفال والأثاث.

والهدف النهائي لمثل تلك المؤلفات هو دعم النشاط التسويقي، ليس على نطاق المجتمعات الغربية فحسب، بل على نطاق العالم بأرجائه المختلفة.

يقول د. أحمد زايد في البحث السابق: لقد أدرك أصحاب المؤلفات الحديثة عن الاستهلاك والسلوك الاستهلاكي أن العالم تسوده اليوم ما يُعرف” بثقافة الاستهلاك

وعليه فهناك اليوم طبقات اجتماعية تحركها نزعات استهلاكية واضحة مما شجَّع الشركات المنتجة على توسيع عملياتها التسويقية؛ للوصول إلى تلك الطبقات.

يقول ثلاثة من أشهر الباحثين في هذا المجال وهم: انجل وبلاك، ويل ومينارد: إنه مع نشأة المجتمع الموجّه نحو الاستهلاك بدأت تظهر إلى حيز الوجود طبقة وسطى ذات دخول قابلة للصرف، وإن هذه الطبقة توجد في كل مكان من العالم.

لقد حان الوقت لتوسيع الآفاق لتجاوز العالم الغربي، وللنظر إلى بحوث المستهلك كضرورة كونية، وذلك لأن الحاجات الإنسانية الأساسية هي حاجات كونية.

ومن جهة أخرى، فإن علماء الاجتماع يؤكِّدون أن الثقافة الاستهلاكية في عصرنا الراهن قد صارت عنصرًا من عناصر كل ثقافة، وذلك نتيجة لما تمارسه المصادر المختلفة من تأثير على سلوك الإنسان في اتجاه الميل إلى الاستهلاك، بل وجعل الاستهلاك هدفًا في حدِّ ذاته، وهم باستخدامهم لمصطلح ثقافة الاستهلاك، إنما يؤكدون أن عوالم السلع والمبادئ التي تقوم عليها بنية هذه العوالم تعد مدخلاً أساسيًّا؛ لفَهم المجتمعات المعاصرة.

إن الاهتمام بالتأثير السلبي لثقافة الاستهلاك على حياة الأفراد والجماعات يمكن تتبع بداياته المنظمة في أعمال مجموعة من الباحثين الاجتماعيين.

ويمثل أعمال الباحثين الاجتماعيين ككتابات جورج لوكاتش، وكتابات تيودور إدورنو، وماكس هودكهايمر، وهربرت ماركوز، وليو لوفنتال، الذين حاولوا الربط في كتاباتهم بين ما طرأ على الإنتاج الرأسمالي الصناعي في القرن العشرين من تطور وتوسع، وبين ما أخذ يحدث في مجتمعات الغرب من سيولة ثقافية تقوم على أساس المنطق السلعي، والقِيَم الاستهلاكية التي تغوي جماهير الناس وتجذبها إلى السوق.

يقول د. فتحي أبو العينين: إن فكرة الثقافة الاستهلاكية هي دائمًا حاضرة في المناقشات، وبالنسبة لعلماء الاجتماع، فإن هذه الفكرة قد أخذت طريقها إلى بحوثهم الحديثة خاصة البحوث التي تنتمي إلى مَيدان وسيسيولوجيا الثقافة.

إن مجتمعاتنا العربية بوصفها جزءًا من العالم معرَّضة للثقافة الاستهلاكية، وخاضعة للعديد من تأثيراتها التي يمكن تلمسها في أشكال عدة من العلاقات والممارسات الاجتماعية والثقافية،

بيد أن طبيعة المجتمعات المعاصرة خاصة في ضوء النزعات الاستهلاكية المتعاظمة وسيادة الثقافة الاستهلاكية تفرض ضرورة عدم إغفال الأطار الكوني.

فالتطورات التي شهدها العالم في مجال العلاقات التجارية والاتصالات، قد جعلت العديد من الأفراد والجماعات في أبعد القرى وأصغرها تتأثر في ظروفها المعيشية، وأنماط سلوكها الاستهلاكية بالعديد من الأحداث التي تقع، والقرارات التي تتخذ في المراكز المؤثرة من العالم.

إن انتشار الثقافة الاستهلاكية من مركز النظم الرأسمالية إلى محيطات العالم الثالث قد أوجد أيديولوجية استهلاك قوامها النظر إلى الاستهلاك كهدف في حد ذاته وربطه بأسلوب الحياة، وبأشكال التميز الاجتماعي، الأمر الذي جعل الناس يتدافعون نحو الاستهلاك بغض النظر عن حاجاتهم الفعلية.

لقد أصبح الأفراد في ظلِّ أيديولوجيا الاستهلاك أكثر تأثُّرًا بالآخرين وبمتغيرات السوق.

ومن ثَمَّ تحولت ذواتهم تحت تأثير الاستهلاك المادي والمعنوي إلى ذوات خاضعة لا تملك من أمرها شيئًا، وصارت الجماعات الاجتماعية تسعى من خلال الاستهلاك إلى تأكيد وضعها الاجتماعي ومكانتها في المجتمع، واتجه عدد كبير من الأفراد نحو الْمُتَع الحسِّية والاعتناء بالجسد؛ تواكبًا مع كل المنتجات التي تهدف إلى تجميل الجسد أو الترفيه عنه.

في ضوء ما سبق يمكن القول: إن النزعة الاستهلاكية تلعب دورًا معوقًا في عملية التنشئة الاجتماعية، ومن ثَمَّ في عملية التنمية الشاملة، فإذا كانت الوفرة المالية وما يصاحبها من نزعة استهلاكية تؤثِّر على المجتمع، فإنها أيضًا تجعل الأفعال الاجتماعية للأفراد تميل إلى الانحراف عن أهدافها المثالية.

فالنزعة الاستهلاكية تهدف إلى نشر قِيَم الاستهلاك وقيم التعامل النقدي، وإلى نشر الروح الفردية الأنانية وإيجاد الرغبة في التميز من خلال اقتناء أشياء استهلاكية مُعيَّنة، فضلاً عن إهدار قِيَم العمل.

ختامًا أقول:
أن الوعي بهذه المشكلة أصبح ضرورة في البلدان التي تخترقها النزعة الاستهلاكية بصورة حادة.

ومن ثَمَّ، ينبغي وضع شعار ترشيد الاستهلاك موضع العناية الحقيقية، فالناس لا يتجهون للاستهلاك الرشيد، إلا إذا أحس عدد منهم بالرغبة في تغيير أنماط حياتهم وسلوكهم، ولن يحدث هذا في يوم وليلة، كما لن يحدث بمرسوم أو تشريع، وإنما الأمر يتطلب عملية تربوية وتعليمية طويلة الأمد، ولعلَّ هذه العملية تبدأ من مرحلة الطفولة باعتبار أن المستقبل للأطفال.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: